يُعرف الطعام الهندي بتنوعه الذي يختلف باختلاف المنطقة والولاية والمجتمع والثقافة وحتى باختلاف الدين؛ لذلك هناك عدد لا يحصى من المأكولات في هذا البلد، إلا أنها جميعًا تشترك في استخدام الكثير من أنواع التوابل المخلوطة والحبيبات والفواكه والخضروات وما ساعد على ذلك هو كون الهند بلد زراعي من الطراز الأول يقوم بزراعة كل هذه المكونات. وحيث أن الهند وطنٌ لشعب متعدد الديانات وكذلك الخلفيات الثقافية فقد تأثرت الأطعمة الموجودة بهذا البلد بشيء من هذا التنوع بما فيه التأثير القادم من غير المواطنين أنفسهم.

يُقال أن القائد البريطاني الأسطوري قد كتب في مذكراته عن الهند في طريق عودته إلى إنجلترا: " من بين كل أنواع الأطعمة التي سنحت لي الفرصة بتذوقها، يبقى الطعام الهندي واحدًا أكثر الأطعمة الغامضة والساحرة وشديدة اللذة فهو مزيج من الحداثة والأصالة، وفي الأعوام القادمة سيكون النوع الوحيد الذي سيغير طرق الطهي في العالم"

تقول الحكايات أنه وفي عام الحرب، قام القائد هارولد بناء على أمر من الضابط المسؤول برحلة مضنية لكي يكتشف طريقة تحضير الطبق الهندي المنتشر (بهيل) وهو مقرمشات هندية منتشرة قد أخذت مكانها في ذاكرة الذائقة البريطانية قبل أن تحكم دجاج تكا العالم.

ولفضوله الكبير، بالرغم من أن هارولد لم يتمكن من الحصول على وصفة تحضير البهيل، إلا أنه قد حصل على لمحة عن الكثير من الأدوات الهندية بسبب زياراته الكثيرة للعديد من الباعة على طول الشمال الهندي والهند الغربية مثل: الشواء على الجريل، والطبخ في الحفر، والطبخ في إناء واحد.

لم يكن الشيف هارولد أول من تسحره المأكولات الهندية وتنوعها، ففي الأوقات القديمة تمكن الطعام الهندي، والذي يمكن توصيفه بأنه خليط لذيذ من الأساليب المتنوعة والعجيبة التي طورها ما يزيد على الألف قبيلة ومجتمع من مختلف أرجاء الهند، من أن يبهر المسافرون أمثال الرحالة المعروف ابن بطوطة. في الحقيقة لقد خصص الرحالة المغربي جزءًا كبيرًا من مذكراته لوصف عالم الأطعمة على طول مملكة طريق الحرير، وبدفتره جزء مثير للاهتمام يتحدث خصيصًا عن شارع الطعام في الهند بما في ذلك فيجاياناغارام الغنية التي أسماها "عاصمة الفوائض الصحية".

علاوة على ذلك، فما يجعل الأطعمة الهندية تتماشى مع عالم اليوم هو حقيقة أن هذه الوصفات مبنية على علم يهتم بالصحة ونظام الثالي وهو ما يجعل الجسم يحصل على الكميات المناسبة من الغذاء الذي يحتاجه الجسم حسب مهنته وفي نفس الوقت فطعم هذه الأغذية واستدامتها بالتعديل والتحسين قد جعل الكثيرين يقعون في حبها.

ولمَّا تأثرت ثقافة الطعام الهندي بالعديد من المؤثرات من مختلف السلالات وطرق التجارة والحكام الأجانب، فقد توسعت إلى قسمين كبيرين: الشعب، والنخبة.

لنأخذ ميدنة آسام كمثال. تعود ثقافة الطعام فيها إلى القرن الأول الميلادي وتم تكوينها بشكل أساسي بواسطة حكام آهوم الذين حكموا آسام العليا والمزارعين الذين سكنوا آسام السفلى. هذه الأطعمة الانتقائية القديمة أدهشت العالم بقيمة القلويات والأحماض إلى الأطعمة. حتى وقتنا الحاضر يوجد ما يشبه طريقين للطعام، أحدهما متأثر بأجواء الملكية والآخر بوصفات القبائل التقليدية. وقد تحسن الطعام فيما بعد متأثرًا بالمجتمع البنغالي وبالجيوش الإسلامية التي استقرت في هذه المنطقة الغنية بالشاي ما أضاف بعدًا جديدًا للأطعمة الهندية.

وقد تطورت الأطعمة البنغالية بأسلوب مشابه. قبل أن تظهر أطعمة كالكوتا الشهيرة الحديثة، تكوّنت أطعمة هذه المنطقة ببطء على أيدي المجتمعات الزراعية والسلالات التي حكمت البنغال مثل ملوك جوبتا وإمبراطورية تشولا. فيما بعد، تطورت الأطعمة على أيدي شيفات معبد أوديا والطباخين البنجلاديشيين الذين أنشأوا مصفوفة من كاري الضأن والمفروم وطبق داب شينغري الشهير (جمبري مطبوخ في لبن جوز الهند). وهذا ارتبط برباط مشترك مع أطعمة البنغال وأوديشا وبيهار وأجزاء من أندرا براديش.

وعلاوة على ذلك، فقد اتخذت العديد من الجماعات من هذه المنطقة وطنًا لها. ويقال أن الوصفات الأنجلو هندية الشهيرة قد صاغها الأرمن الذين استقروا في البنغال قبل زمن من الهولنديين والبريطان. وقد تأثرت أطعمة غوجارات وماهاراشترا بالفارسيين الذين جاؤوا بوصفاتهم إلى هنا وجمعوا بينها وبين الأساليب الشعبية فنشأت ثقافة جديدة عن ذلك خليط من الطعام الفارسي والغوجاراتي

تنوع المأكولات الهندية جعل بابور (مؤسس السلالة المغولية في الهند) يعمل على تطوير المأكولات المغولية. تطور وصفات الأطعمة الهندية جاء كنتيجة لـ 10 آلاف عام من العلم الذي جعل من الطبخ لدينا لا يهتم فقط بالطعام ولكن كذلك بالجودة والفائدة. وهذا قد قدّم العديد من الأساليب التي أنتجت الكثير من الأطباق الرائعة مثل الراسام (كونسوميه)، الكانجيس (عصيدة تساعد على تحسين القناة الهضمية)، بهابا، وكاشايام (قاعدة قديمة تعتبر أساس الكثير من الأدوية) والكثير من ثقافة الأغذية والمشروبات.

وتعد الحلويات مثال رائع على تطور الأطعمة الهندية. حلويات مثل اللادوس (حلوى على شكل كرة)، تشينا بودو (أول كعك جبنة لجنوب آسيا)، جاليبي (كعك مملح ومحمص)، غيفار (كعك حلو على شكل دائري)، وروسوغولا (حلوى سائلة)، كل هذه الحلويات تعتبر علامات بارزة عن كيف أن الأساليب الأساسية كالتحميص والخبز والقلي والطبخ على البخار تم إتقانهم لتكوين هذه الكلاسيكيات.

ومن الوصفات البارزة أيضًا الكيباباس، الرآنس (سيقان الحملان المحمصة)، والبهارتاس والتي لم تغير فقط فن التحميص والطهي في الأواني والشواء والأفران الطينية وإنما كذلك فن طهي الطعام بالإبقاء على القيمة الغذائية. ومع ذلك فإن ما استحوذ على انتباه العالم كانت العصائد والخبز المسطح. منذ العصور الوسطى وقد تميزت الهند بأنواع متعددة من الخبز المسطح الذي يتم تجهيزه باستخدام صينية مسطحة تسمى التاوا أو بواسطة الفرن الطيني. ومن المثير للدهشة أن القمح أو الذرة دخلوا إلى الطهي الهندي متأخرين وما كان مفضلًا هو الدخن والأرز ودقيق الحمص المسمى ساتو.

لا عجب أن المأكولات الهندية كانت نقطة التقاء العديد من الثقافات ولذلك من أين يبدأ المرء في فهم وصفة ما نشأت قديمًا ومازالت تتطور إلى وقتنا الحاضر؟ يعتبر المدخل الأسهل لفهم المأكولات الهندية من خلال فهم المناطق الخمسة الرئيسية في البلد وكيف تطورت الوصفات في هذه المناطق: الشمال، الشرق، الجنوب، الجنوب الشرقي، والغرب.

 

التغذية الإجتماعية

شارك لحظاتك